محمد جواد مغنية

94

في ظلال نهج البلاغة

أن يكون الأول بلا أول كان قبله ( وبآخريته ) أي بدوامه وأبديته ( وجب ) أن يكون الآخر بلا آخر يكون بعده ، والكل اليه يعود . . وبكلمة هو القديم أزلا ، والدائم أبدا . ( واشهد ان لا إله ) موجود بحق ، وفي غنى عن غيره في وجوده وبقائه ( إلا اللَّه شهادة يوافق فيها السر الاعلان ، والقلب اللسان ) أي نوحده توحيدا خالصا من كل شائبة . وقال موحد معاصر : « لو أصبحت كلمة التوحيد دستور الحياة لكانت كفيلة بتغيير هذه الحياة إلى نهج أشرف وأجمل وأصدق » أي لو عمل الناس بمقتضيات هذه الكلمة وتوجيهاتها لسيطر بينهم العدل وعاشوا في سلام وهناء . وفي الحديث : خير ما جئت به انا والنبيون من قبلي كلمة لا إله إلا اللَّه . ( أيها الناس لا يجرمنكم - إلى - تسمعونه مني ) . كان في صحابة النبي ( ص ) جماعة مردوا على النفاق ، وكان على رأسهم عبد اللَّه بن أبي ، وأيضا كان في أصحاب الإمام ( ع ) منافقون ، ورأسهم الأشعث بن قيس ، يثير الفتنة كلما سنحت الفرصة ، وقال أرباب السير والتاريخ : كان الأشعث لعليّ كما كان ابن أبيّ للنبي ، وكان الإمام إذا أخبر بشيء من المغيبات تغامز المنافقون ، وتبادلوا الهمسات والههممات فصرخ الإمام فيهم يونجهم ويقول : لا تحملنكم عداوتي على التكذيب فيما أخبر ( فوالذي فلق - إلى السامع ) ان كل ما أخبرت به هو وحي من اللَّه إلى نبيه الكريم ، والنبي قد خصني بعلمه ، ولولاه ما علمت منه شيئا ، فهل كذّب النبي على ربه ، وقد وصفه بقوله : * ( وما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ) * - 5 النجمأو اني جهلت ما سمعت من النبي ، وأخطأت فيما نقلت عنه قاتلكم اللَّه أنى تؤفكون . ( لكأني أنظر إلى ضليل ) يعم ويشمل هذا الوصف كل من ( نعق بالشام ، وفحص براياته - أي نصبها - في ضواحي كوفان ) كمعاوية بن أبي سفيان ، وعبد الملك بن مروان حيث سيطر كل منهما على العراق ، واستبد بأهل الكوفة ، وفعل بشيعة الإمام الأفاعيل ، وفصلنا ذلك في كتاب « الشيعة والحاكمون » . ( فإذا فغرت فاغرته ) . فتح فاه يبرق ويرعد ، ويهدد ويزمجر ( واشتدت شكيمته ) قوي على البطش والافتراس ( وثقلت في الأرض وطأته ) أي ضجت من عنفه وجبروته ، إذا كان ذلك ( عضت الفتنة أبناءها بأنيابها ) وطحنتهم طحن الرحى ( وماجت الحرب بأمواجها ) فأغرقت البلاد بالدماء لا ترحم كبيرا أو صغيرا .